بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

لست وحيدا



انقطع تيار الكهرباء و توقف كل شيء من حوله...و كأن سكته قلبية أصابت كل شيء ... خيم الصمت على ارجاء غرفته ... لم يعد يسمع غير دقات الساعة و صوت انفاسه ...راح يتحسس بحذر شديد... باحثا عن مصدر للضوء ... لعله يبدد ذلك الظلام الذي احاط به من كل جانب  ... فهو يعيش وحيدا بعد ان قرر الرحيل عن كل من يعرفهم ،اشعل سيجارته و بنفس العود اشعل شمعة صغيره ...ثم وضعها بجوار فنجان القهوة الذي لم يكن اكمله ....و اخذ يرتشف ما تبقي منه....
الصمت و السكون الذين خيما على المكان و قطرات القهوة الباقية اكسبته راحة نفسية .... ظل يتابع دقات الساعة الواحدة  تلو الأخرى.... في انتظار عودة تيار الكهرباء.... أو ...عودة الحياه ....و كأن الكهرباء هي النبض الذي تهب الحياه لكل شيء من  حوله ... ادرك وقتها ان سر حياة الاشياء من حوله هي تلك القوي الساحرة ...الكهرباء ...فلما غابت...غابت الحياه كل شيء من حوله التلفاز...الاضاءة .. حتى الانترنت الذي هو وسيلة تواصله مع الحياه الافتراضية التي كانت تملأ حياته صخبا و انشغال ...اخذ يستمع لبعض الاغاني على هاتفه المحمول لعلها تكسر الصمت الذي هاجمه فجأة ...و لكنه أدرك انه لم يبقي غير القليل من الوقت و تنتهي البطارية و ينقطع معها كل سبل الاتصال ... لكن بمن يتصل ...فلقد هجر كل من يعرفهم و لم يعد احد يتذكره و كأنه في عداد موتاهم ...لكن الموتى ... هم افضل حالاً منه ... فأحبائهم يتذكرونه في الأعياد و يترحمون عليه .. خرج من غرفته الصغيرة للاستمتاع بالهواء و التجول ... تحت ضوء القمر ... مع ان الليلة لم تكن منيرة بالقدر الكافي ...لكن بعض الضوء كان كافيا ليعرف طريقه الي حيث يحب ان يجلس بالقرب من تلك الشجرة التي تظلل مدخل البيت الخلفي ....تذكر تلك اللحظات التي قرر فيها ان يكون بعيداً ....لحظة كانت حاسمه في حياته السابقة ...حين ادرك انه كذب كذبة كبيرة و صدقها ...كثيرا منا يكذب و يصدق تلك الكذبة و قد يمضي حياته محاولا اقناع نفسه بها الي ان يصدم بالحقيقة... فلقد أدرك يومها انه غريب عن من كان يظن انه قريب منهم و ادرك زيف المشاعر التي ظلت في مخيلته و كانت هي الدافع له ان يفنى حياته من اجلها ... لذا قرر ان يخرج من كل شيء ..و كانه يغير جلده ليبدأ حياته من جديد .... مر الوقت سريعا و هو يجلس بجوار شجرته المفضلة و التي فقدت اوراقها مع هبوب رياح الخريف ... فلم يتبقي منها سوي بعض الأغصان و فروعها المتجردة من مظاهر الحياه ...أنه الخريف ...خريف العمر الذي أتي بعد الصيف المفعم بالحياة ... لكن حياته لم تكن حياه طبيعية ...استمر فيها الشتاء لفترات طويلة ... و لم يتمتع خلالها بنسمات الربيع و كأن الفصول الاربعة بحياته توقفت عند الشتاء ليصل بعدها خريفه ... حينها ادرك انه لم يعش كما ينبغي له أن يعيش ...فقرر الرحيل ...لبلد لا يعرفه فيها أحد و لا يخالط فيها احد..باحثا فيها عن ذاته و ليستمتع بما بقي من سنين حياته...حياته  التي اهدرها في وهم ... افاق منه على سراب ...حتى من افنى حياته من اجلهم ...اصبح هو عبء نفسي ثقيل عليهم ... ينتظرونه ان يرحل ... فلقد جفت المشاعر كما تجف المياه و لا يبقي منها أثر يدل على وجودها غير بعض الذكريات ...اشعل سيجارته بعود الكبريت الباقي ...ظل ينظر الي ذاك العود و هو يتناهي مشتعلا بين يديه حتى كاد ان يحرق اصابعه ... فتخلص منه سريعا ...ادرك وقتها انه ليس افضل حالا من ذاك العود فقد اشتعل ليضيء لمن حوله حتى اذا اوشك على الانتهاء تخلصوا منه ... تسرب الي مسامعه صوت يشق الصمت المحيط به ...صوت شجي يعلن عن قرب شروق الشمس .. و كانه يقول له لست وحيدا 

الأحد، 28 أبريل 2013

أشياء لا تشتري ...






في يوم قد لا يختلف عن باقي ايام الاسبوع ...التى تتشابه في وتيرتها و في تناغمها و ايقاعها ...الممل أحياناً و السريعة أحياناً ....يدخل مكتبه ليجد على مكتبه مغلف صغير به تذكرة سفر و بعض النقود و حجز بأحد الفنادق بمدينة شرم الشيخ ..مع قصاصة من الورق زهرية اللون مكتوب عليها عبارة مختصرة ( متع نفسك يومين ) اعتلت على وجهه ابتسامه لا تخلو من الحيرة ...و ما لبس ان سأل عن هذا  المغلف وعن صاحبه و من احضره ...لكن لم يجد إجابة ...غير أن ساعي المكتب قال له أن احدهم قد جاء و سأل عنه و وضع ذلك المغلف و خرج مسرعا بدون أن يترك تعليق ....توجه إلي مدير القسم ليختلق عذراً لكي يتغيب عن العمل لمدة اسبوع ...لكن كانت المفاجأة أن مديره قابله بابتسامه على غير عادته...و قبل أن يتكلم ....قال له أنت في إجازة مفتوحة من اليوم ....زادت دهشته و حيرته ماذا يحدث و من يدبر له كل ذلك ....قرر عدم السفر ...ثم تراجع ...ثم عزم امره على السفر ...و ما فيها أن يمتع نفسه يومين كما قال صاحب أو صاحبة الرسالة ...و لما امرأة ...لماذا تبادر إلي ذهنه ذلك ...قد تكون رغبته في أن تتم متعته التى يمنى نفسه بها ...حاول جمع بعض الملابس التى تناسب تلك الرحلة ...لم يجد في دولابه المكتظ بالملابس ما يناسب تلك المغامرة ...كل ما يملكه مجموعة من البدل التى مر عليها زمن وهي تكدح معه يوميا في زحام المواصلات و غبار الشوارع ...وبعض الجلابيب البلدي ..بحث عن شيء مناسب لم يجد ....قرر النزول لشراء بعض الملابس ...فهو في حاجة إلي ملابس أكثر شبابية ...فهو قادم على مغامرة العمر ...و بالفعل بعد جولة امتدت لساعات ..رجع بأكياس من الملابس الغريبة عليه ...حاول أن يرتدي بعضها و يري نفسه في هيئته الجديدة ...لكن مع أو نظرة في المرآة ...شاهد فعل السنين على وجهه ...لم يدرك يوما حجم تلك التجاعيد ...لم ينتبه إلي ان الشيب قد امتد من شعر رأسه إلي لحيته و شاربه ....ترك كل ذلك جانبا و اعد فنجان قهوته و جلس يحتسيه خلف شباك غرفته و هو ينظر إلي الطريق ...و كأنه يقول لنفسه ( من الغد سأري ما لم اراه من قبل ) ...لم يخرج في رحلة من قبل .. قضي ما مضي من حياته بين بيته و عمله ...استسلم للنوم ...و مع تباشير الصبح حمل امتعته و توجه إلي المطار ...تملكته الحيرة فتلك اول مرة يركب فيها الطائرة ...تبددت حيرته شيء فشيء..لكن الرعب تملكه حين ارتفعت الطائرة بعجلاتها من على ارض المطار ...احس بخوف شديد ...و كأنه يقول في نفسه ( و انا ايه كان غاصبنى على ده ) لكن سرعان ما تبدد خوفه و قرر أن ينعم بما لم يعشه من قبل ...و ما هي الا لحظات و كان في مطار شرم ....استقل سيارة الاجرة و توجه الي الفندق ...قدم اوراقه و قاده رجل إلي غرفة تطل على حمام السباحة ...اول مرة ينزل في فندق ...اول مرة يجد نفسه بقرب حمام سباحة ....ضحك كثيرا عندما تذكر ايام الطفولة و قفزه من فوق الكوبري لينعم بغطسه في مياه النيل الباردة ...افرغ حقيبته و توجه الي السرير ...ظل يقفز عليه كطفل صغير ...ادرك بالفعل أن هنالك فارق بين السرير الذي ظل يلازمه قرابة 40 عام ...و بين ذلك السرير الجديد ....دق جرس الهاتف ليجد على الطرف الأخر موظف الاستقبال ...يٍسأله هل يحضرون الغذاء له أم يفضل تناول الغذاء بالمطعم ...حيث البوفيه المفتوح ..و بالفعل ذهب إلي المطعم ...ليجد أن التجربة اصعب من التى قبلها ...لم يعرف من اين يبدأ...المشهيات و السلطات ام اللحوم و الاسماك ام الحلوى و المشروبات ...ظل في حيرته دقائق ...حتى قرر أن يقلد من حوله ...و شيء فشيء تتبع أحدهم و هو يعد طبقه الأول ...ظل يفعل ما يفعله حتى انتهى من تناول غذائه ...تناول اشياء غريبة لا يعرف حتى اسمها او مكوناتها ...إحساسه بالغربة يزداد شيء فشيء ...تلك الحياة ليست له ...مع انها جميلة و لم يراها في حياته سوي في التلفزيون او السينما التى لم يفكر في دخولها من سنوات طويلة .
جلس في بهو الفندق يحتسي بعض الشاي ...و إذا بأحدهم يقترب منه و يلقي عليه التحية ...لم يمانع من رد التحية ووجد في هذا الشخص طوق النجاة في تلك الغربة ...تبادل أطراف الحديث في كل شيء ...حتى اصبحت هنالك ألفة غريبة ... ربما بسبب وحدته.
دعاه لقضاء السهرة معه في الملهي الملحق بالفندق ...فوافق على الفور ...لعله يري ما يراه في الأفلام ...و بالفعل ...لم يستطع أن يمكث كثيرا ..فتلك الموسيقية الصاخبة و تلك الميوعه و المجون التى تتغلغل في المكان لا تناسبه اطلاقاً ...قرر الرجوع إلي غرفته ليغلقها عليه لينعم ببعض الهدوء النفسي ...شعر أن كل من حوله يعرفون و يدركون حقيقته و أنه غريب عن تلك الأجواء.... شعر بالحنين إلي بيته و غرفته المتواضعة ...و كأنه يقول لنفسه ( ناس غاوية فقر ) لكن الاسبوع لم ينتهي بعد ...قرر أن يستمتع بتلك الايام قدر المستطاع ...و بعد مرور يومين اخذ ينسجم مع الأجواء الجديدة عليه ...تعلم كيف يتعامل مع الاشياء من حوله و الاشخاص ايضا ...لكن السؤال الذي كان يحيره ..من صاحب تلك الدعوة ...و كيف سيرجع إلي غرفته في ذلك الحي الشعبي البسيط ...انتهي الاسبوع سريعا و وجد نفسه مضطرا إلي الرجوع ...لكنه قرر ان ينعم بأخر ليلة له في تلك الرحلة ... نزل إلي بهو الفندق ليأخذ كوب من الشاي ..و ما هي إلا لحظات ليجد نفس الشخص يقترب منه ...دعاه لمشاركته في احتساء فنجان من القهوة ...وبعد دقائق كانت المفاجأة التى بددت حيرته ...فبلغة واثقة و مباشرة واجهه جليسه بظرف كبير من النقود اخرجه من حقيبته اليدوية و اوضح له أن الدعوة التى قدمت له كانت من أحدي الشركات المتقدمة لأحدي المشروعات التى يشرف عليها ....( ادرك انه قد وقع في شراك الرشوة المباشرة و الواضحة ) ...و لم يعطه فرصة في الرفض فقد اوضح له أن مديره المباشر شريك في تلك العملية ....حاول الرفض ...لكن كان العرض يتزايد شيء فشيء ...شقة جديدة و سيارة تليق بمكانته و مبلغ كبير ...قد يقضي سنوات ليجمع جزء منها ...احس أن الدماء تغلي في عروقه ...تركه و لم يعقب على كلماته ...توجه إلي غرفته ...جمع ملابسه و توجه سريعا الي مدينته ....ادرك ان برغم ما يعانيه من ضيق ذات اليد و تلك المعيشة المتواضعة و ما راءه خلال تلك الرحلة لا يساوي إحساسه بأنه رجل شريف ....و تذكر تلك المقولة ....ان هنالك أشياء لا تشتري ...

الأحد، 9 سبتمبر 2012

يا صغيرتى


         من يوم همستى في أذني ... و ألتقيت بعينيك و أنا لك أسير ...
        أسير على غير هدى..هائماً كطفل ... فكم حلمت يوماً أن أطير ...
        أضرب بجناح شوق و أقفز عالياً ... لعلى أتلمس ذاك العبير ...
        عبير ينساب من شفاه رضابها ....كماء عذب من الغدير ...
        كنسمات الصبح تنساب كنور زهري...برقة خيط الحرير ....
        فأحتوينى بعينيك...فلقد أبصرت بهما بعد أن كنت ضرير ...
       زاهداً فى ملذات الحياه ...فكفانى أنى بقربك صرت أمير ....


الخميس، 8 ديسمبر 2011

غروب


كلما قررت الذهاب و تركي وحيداً ......كلما تشبثت بأطراف ثوبها كطفل يرجو أمه أن لا تتركه وحيداً .....في دنيا يشعر فيها بالاغتراب ....لكنها تصر على الرحيل ... تتركه لينزوي في احد أركان غرفته الباردة من أي مظاهر الحياة...لينقطع عنه دفيء حياته ...و تغيب روحه مع غياب ضوء النهار ...و تغيب ملامحه في ظلمة ليله ....شيء فشيء...على أمل أن تعود يوما مع بزوغ فجر جديد


الثلاثاء، 21 يونيو 2011

فارس بكلمتى

 

بكلمات رقيقة بدء حديثه معها وهى مستلقية بجواره...على ذلك الفراش الحريري...تقاربت القلوب قبل أن تتلامس الأجساد...و بعبارات هامسة أرسلها في الهواء لعلها تلامس القلب قبل الأذن....
قال : كم تمنيت أن أتلمس شعرك...و أتلمس خصلاته التي تناثرت علي جبينك و كأنها خيوط الشمس الذهبية وقت المغيب و التي استقت حمرتها و دفئها من حرارة شفتيك
...
قالت : و هل تحبني ...
قال :اسألي قلبي ...
و اخذ يتمتم بكلماته كأنه يكلم نفسه ...
سألت القلب هل تحبها...قال لي ومن يرقي ليكون حبيبها...فهي في شرفتها العالية ترمق أمثالي بنظرة الشفقة...فهي كالقمر...يتمناه الجميع...لكن حظهم منه النظر..
قالت: لتنال حبي يجب أن تكون فارس ..
قال:
 كم تمنيت أن أغزو بحور الكلمات لعلى اقتنص كلمات تليق بمقام أميرتي
قالت:أنت فارسي...فتعالي
احتواها بذراعيه...اقترب ليقبل تلك الشفاه التي حلم بها كثيراً ...اقترب ..اقترب ...أغمض عيناه ...و إذا برجفة شديدة تهز أركانه ....و صوت يعلوا شيء فشيء .... قوم اصحي أتأخرت علي شغلك.............


الأحد، 19 يونيو 2011

دوامة الأيام

كعادته يستيقظ مع دقات الساعة السابعة صباحاً ... يسابق الدقائق و الثواني ... ينتفض من فراشه و كأن شيء يجره من فراشه ..يأخذ حمامه المعتاد صباحاً ....يغمر رأسه بالماء البارد لعله أن يتخلص من بقايا النوم التي تدعوه للخلود للنوم مجدداً ....ما احلي لحظات النوم الإضافية و لو لدقائق معدودة....يسرع الخطي لغرفته ليرتدي ملابسه ...يتناول فنجان القهوة على عجل و يتوجه إلي عمله ...كل شيء في حياته منضبط كعقارب ساعته ....لم يتخلى يوماً عن تلك العادات القديمة التي ورثها من أبيه ....حتى أنه لم يفكر بأن ينتقل من منزله بحي السكاكينى ...فذلك الحي يحمل عبق تلك الأيام الجميلة التي قضاها طفلاً بين أسرة ميسورة الحال ...وأصدقاء الطفولة الحالمة بمستقبل جميل ...و لا زالت دروب الحي تنبؤه بأسرارها ...هنا عاش و هنا حلم بأول لقاء يجمعه مع معشوقته ..منال ...تلك الفتاة الرقيقة.... ذات ملامح مصرية يشوبها شيء من التفاصيل التركية الجميلة ....تلك العيون العسلية و الشعر الأحمر الطويل الذي يداعبه الهواء دائما عندما تقف في البلكونة المقابلة لغرفته ...حلم كثيراً أن يكلمها ...و أن يبوح لها بمكنون نفسه ...لكنه كان يتردد دائما في أن يفاتحها بما في نفسه ...خوفاً من عيون و كلمات الجيران ...فقد كانت كل حركة محسوبة و قد نشأ على أنه لا يجوز له أن يغازل بنت الجيران ... ظل دائما في صراع بين الأصول و الواجب  و بين ما تميل نفسه إلي فعله ....فكان يراقبها من خلف الستائر و هي تصفف جدايل شعرها و كم تمنى أن تلامس يداه تلك الشعيرات المنسدلة على عينيها ... لكنها كانت مجرد أحلام....تمر السنين و الأيام ولا ينسي ذلك الجرح الذي أصابه عندما علم بأنها سوف تزف إلي أحد أقاربها عاش بحسرة الندم ...لما لم يكلمها ...لما أكتفي بالحلم و الأحلام... تراوده تلك الأفكار كلما خرج من بيته متجه لعمله ....ينظر لشباك غرفتها الذي تغيرت ملامحه مع الزمان ...فبعد ما كان يزينه الورد البلدي الأحمر ...أصبح الصبار هو زينته...عبث الزمان بمعوله في كل شيء ...تسربت الشقوق للمباني كما تسربت للنفوس ...أصبح الوهن هو القاسم المشترك لكل ما كان يعشقه و عاش معه أيامه الجميلة و أيام الطفولة
و كلما سمع أم كلثوم تقول
وما نيل المطالب بالتمني ...ولكن تؤخذ الدنيا غلابَ

وما استعصى على قوم منال... إذا الإقدام كان لهم ركابَ
كلما أخذته الحسرات على أشياء كثيرة أضاعها من بين يديه بهذا التردد و الخوف من كلام الناس.... ذلك التردد جعله لا يقدم مجدداً على فكرة الارتباط و الخوض في تجربة حب مرة أخري ...وعكف على بناء مستقبله المهني ...
وصل لعمله في موعده المحدد ....ساعات العمل بلا جديد تمر الساعة بعد الأخرى.. الحياة نمطية لا شيء فيها ينبئ عن تغير غير ما هو مخطط له ...لكن في خضم انشغاله بعمله شعر بألم حاد في صدره ...و غاب عن وعيه ...تلاشي الضوء فجأة ...زاغت نظراته ...لم يعد يدرك ما يدور من حوله ....وما هي إلا دقائق و كان يرقد في احدي المستشفيات القريبة من موقع عمله ....الجميع يسارع في السؤال عنه و الاطمئنان على صحته ...ثم ينصرفوا لحال سبيلهم ...وها هو يفيق من غيبوبته ...ليجد الليل و قد أسدل ستائره الثقيلة ...شعر بوحدة رهيبة ...برودة المكان تتسرب إلي أوصاله ...هدوء قاتل ...لم يعتاد عليه ...فدائما أصوات الناس بالحي تؤنسه في وحدته و تبدد سكون شقته ...لم يعد حوله غير تلك الأسرة البيضاء التي يرقد عليها أمثاله من المرضي ...لكن هل يشعرون بوحدته ..أم هم مثله في الهم شرقاً....أفاق من غيبوبته لكنه أفاق على واقع أكثر ألما ...لا أحد حوله ...الأهل غابوا ...الأصدقاء منشغلون بحياتهم ...ها هو وحيداً ....كره أن يظل وحيداً في ذلك الفراش مع أن الوحدة ليست جديدة عليه فهو يعيش في شقته بمفرده بعد أن غيب الموت ما بقي من عائلته ...أخذ يفكر و يفكر و لكنه لا يقوي على النهوض من فراشه ...أدرك وقتها أن الحياة قد سرقت منه الكثير ...شبابه ...قواه ...وأنه لم يستمتع بيوم من أيامه الماضية ...حضر الطبيب المعالج و في يديه بعض من الأوراق و التقارير ...و تلاها عليه ....أوامر و محاذير ...لا تدخن لا تتناول السكريات ....لا تأكل ...لا تفعل ...لا...و لا ... بعد أيام كتب له الخروج من المستشفي ... توجه إلي بيته ...أشعل سيجارته مع فنجان قهوة و ظل يراقب المارة من خلال بلكونة شقته...أدرك مع الوقت انه كان سجين لنمط من الحياة المنظمة التي تخلوا من نبض الحياة...ما أشبه اليوم بالأمس ...لا شيء كان قادر على أن يخرجه من النظام الذي وضعه لنفسه..أكتشف انه بلا أصدقاء ...أيقن أنه وحيداً ...و أن لا أحد يدق بابه غير تلك المرأة العجوز التي داومت على خدمته من بعد وفاة والدته ....قرر النزول من شقته و الجلوس على المقهى المقابل لكنه وجد نفسه وحيداً أيضا ...فمعظم من حوله من الشباب ...يتكلمون بلغة لا يفهمها ...و كأنهم لا يتحدثون العربية التي تعلمها حاول أن يسترق السمع لعله يجد حلاً لتلك الطلاسم التي تتسرب إلي أذنيه ...دون جدوى ..انقضت ساعة و هو يدخن و يحتسي الفنجان بعد الأخر من القهوة ...قرر الرجوع إلي شقته هاربا من كل النظرات التي تلاحقه ...نظرات من التعجب فهم يعرفونه جيدا و يعرفون أن جلوسه معهم كان ضربا من الخيال ....بحث في دفتر العناوين عن أرقام هواتف أصدقائه القدامى الذين رحلوا من الحي إلي أحياء أكثر رقي و فخامة .....و كان الرد دائماً ...الرقم المطلوب خطأ حاول مرة أخري ...لكن دون جدوى ...استسلم لوحدته ...أشعل سيجارته ....و هو يدندن  بكلمات أغنية أم كلثوم ...و عايزنا نرجع  زى زمان 


الاثنين، 14 مارس 2011

مطاردة البط و الإوز



كالعادة تجتمع الأسرة على وجبة الغذاء حيث يترأس المائدة رب الأسرة و عن يمينه تجلس أم الأبناء و كان لديهما ولدين و بنت ، و برغم أن فارق السن ليس بقليل بين الولدين ...حيث أن الولد الأكبر يكبر أخيه الصغير بعشرة سنوات و الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره...إلا أنهما كان دائما في شجار و تحدي..و دائما يأتي الأب إلي صف الصغير يحميه من بطش أخيه ...مع تذكير الولد الكبير أن أخيه يحتاج إلي العطف لأنه الصغير ..و كان ذلك يشعره انه غير مرغوب به في أسرته الصغيرة و أن أخيه ينال قسط أكبر من الحب والرعاية ....حتى أنه في يوم من الأيام و هم مجتمعون على مائدة الطعام البسيطة و التي تحوي صنفين أو أكثر من الطعام ...قال الولد الكبير لأبيه بعد أن حاول جمع شجاعته مرارا ليفصح عن ما يدور في خاطره ...أنى أراك يا أبي تفرق بينى وبين أخي الصغير ..فأنك تضع نصيب أكبر من اللحم لأخي الصغير....فلما ألست الكبير ....و الطبيعي أن يكون نصيبي أكبر من نصيبه ...هنا تبسم الأب و قال أن لم يعجبك قسمتي فماذا تقترح ...قال أن اخذ النصيب الأكبر ...اطرق الأب ثواني ...يفكر في حل تلك المسألة ....فخطر في بال الأب أن يتم عمل اتفاق مع ابنه ...فقال له من الغد صباحا أريدك أن تفعل كل شيء مثل أخيك الصغير ...و حتى يحين موعد الغذاء...و أن نفذت الاتفاق فلك ضعف نصيبك من كل شيء .....و فرح الولد باتفاق أبيه ...و منى نفسه بأنه سينال غدا نصيب مضاعفا ...لم تكن فرحته رغبة في الطعام ....فالطعام في البيت و فير والأم كثيرا ما بح صوتها في الإلحاح عليهم في تناوله ...و مع تباشير الصباح واستيقاظ الأب و تجهزه للذهاب إلي عمله بالحقل ....أيقظهما مع التأكيد على الاتفاق ....و بدء أخيه في تناول طعام الإفطار ..ثم الجري في البيت و الصعود و النزول مرات عديدة إلي سطح المنزل و مطاردة  البط ...و الإوز ...و كأن بينه و بينهم عداء مستديم ...ثم جري إلي الصحن البيت يلعب و يلهو و الأخ الأكبر يفعل مثله ...في كل شيء...و ما هي إلا سويعات قليلة و بدء التعب يظهر على الأخ الأكبر ...فقد نسي هذا المجهود الكبير ...و كلما حاول أخذ قسط من الراحة ذكرته أمه باتفاقه مع أبيه....و ظل على هذا الحال حتى أصابه التعب و لم يتمكن من الاستمرار...و مع عودة الأب من عمله ...تم تجهيز مائدة الطعام ..ومع همسات من الأم للأب... أنه تم تنفيذ الاتفاق ...و ضحكة خفية تنبئ عما صار للأخ الأكبر جراء تقليد أخيه ...و ضحك الأب عندما علم أن الأخ الأكبر اضطر للزحف مثل أخيه تحت الأثاث للإمساك بالبط... و جلس كل منهم في مقعده ..و شرع الأب في تنفيذ ما وعد به ...مع التأكيد باستمرار الاتفاق بشكل دائم...لكن هنا صرخ الأخ الأكبر مطالبا بإعفائه من هذا الاتفاق مع تنازله عن نصيبه لأخيه الصغير...ضحك الأب و قال لماذا هذا التراجع عن الاتفاق ...قال يا أبي أنى راضاً بقسمتك بعدما علمت أن أخي يبذل ضعف ما ابذله من جهد ...ظلت تلك الحادثة في مخيلتي دائما كلما رأيت من هو في نعمة من الله ...و تذكرت أنه سبحانه و تعالي يقسم الأرزاق بقدر معلوم.... لا نستطيع نحن البشر إدراك أسبابها...