بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010

طبق بصارة ..أم صلاح

قد تتجسد أحلامك  في إنسان ما ... تبحث عنه دائما في أحلامك و في يقظتك ... ذلك الإنسان الذي طالما بحثت عنه في الوجوه التي تقابلها يوما بعد يوم ....من منا لم يحلم .... بان يرتمي في أحضان حبيب و أن يرتوي من شهد شفتيه ... و أن يلتحف يديه في أيام الشتاء ...و يجعل صدره وسادة ...و يتنفس ذلك العبير المنبعث مع أنفاسه .. تلك النسمات الباردة في يوم حار... ذلك الظل الذي يحميه من لهيب الأيام ... تلك الشمس التي تنير نهاره.... و القمر الذي يؤنس لياليه ..كنت ابحث عن ذلك الإنسان كثيرا ... و تمنيت يوما أن يسعدني قدري بان ارتمى بين يديه لاعترف له بما يكنه القلب من مشاعر تراكمت يوما بعد يوم حتى إنني أحسست انه لن يأتي يوما و أجده                                     
في صباح يوم كان غير عادي ... إحساس غريب انتابني أن شيء ما سيغير حياتي ... نهضت من فراشي على غير عادتي متبسما ..فالمعتاد أن اصحوا مفزوعا من تلك الأحلام التي تنغص على يومي ... حلقت ذقني و بحثت عن رباط العنق – كرفات - مناسبة بحثت كثيرا لكن مشكلتي أنى لا أجد شيء في مكانه فقد ضرب بي المثل في الفوضى ... حاولت كثيرا أن ارتب غرفتي لكن من الصعب أن تظل بنفس الشكل المنظم ... فعندما ارجع من عملي أتحرر من ملابسي و كأنها قيود اقذف بها في الهواء و تستقر كما تشاء فتارة أجدها ممدده على السرير أو تحته و أن أسعدها الحظ أسفل علاقة الملابس ..و كأني أتعمد أن أعذبها كما تعذبني ...إنا لا أحب الملابس الرسمية ... ولكنها ضرورة العمل ... فعملي كمحامى يتطلب أن أكون في شكل رسمي دائما ... أين تلك الكرفته اللعينة التي تخنقني طوال اليوم .... و كأنها تتعمد أن تزهق روحي و خصوصا أيام الصيف ... هاهي وجدتها بعد عناء مستقرة بين تلك الكومة من الملابس ... ارتديتها  و توجهت إلي المكتب الذي اعمل فيه محامى من سنوات ... وصلت إلي المكتب بعد أن عانيت الكثير من زحمة المترو... و تلك الأجساد التي تتدافع .. و كأننا في حروب صغيرة بين كل الركاب ... هذا يدفعك وتلك تدفعك ...و تلك تحمل طفلها ولا تجد رجل يتبرع بمقعده لها ... لم يعد احد يرحم ضعف غيره أصبحنا في حلبة مصارعه كل يحاول أن يطرح غيره أرضا .... و في احدي الزوايا تجد شاب و فتاه يسمعها كلمات الهمس في إذنها و كأنهم في موعد غرامي ... هاهي تحمر خجلا و تحاول أن تخفي تلك الابتسامة بأحدي يديها ... ماذا يقول لها ليرسم تلك البسمة ... استرق النظر إليهم و أتمنى أن أكون مكانه هو... ما أجمل أن تملك قلب فتاه...ولكن ماذا سأفعل و ما سأقدمه لها فانا لا املك الكثير غير ذلك القلب... وضعت شنطتي بجوار المكتب الأنيق و جلست على مقعدي الفاخر ...و أشعلت سيجارتي و طلبت فنجانا من القهوة من عم سالم ... ذلك الرجل العجوز الذي اشعر انه والدي عندما انظر إليه أري تلك التجاعيد العميقة في جبهته و كأنها خطوط حفرتها السنين على ذلك الوجه المصري الصميم ... ذلك الوجه الذي يحمل الصمود و الصبر على الحياة و ما فيها ... أري في عيونه نظرة لا املك إلا أن أتأمل ما فيها من حب ... فهو يحبني كابنه ( خالد ) الذي لم يعد من غربته ... فقد سافر من سنوات طويلة طالبا للقمة العيش و البحث عن حياه أفضل لكنه تاه كغيره في غربته ...وباع أيامه مقابل بعض الأوراق المالية الخضراء و الحمراء و البنفسجية اللون ... الوان كثيرة لكنها في أخر الأمر مجرد أوراق يحصي بها أيامه .... حكي لي يوما أن ابنه عندما عاد من في إجازته وضع أمامه رزمة أو أكثر من الدولارات و قال له أتري تلك الأوراق قال نعم يا أبنى ... قال كل ورقة من هذه هي ثمن أيام من عمري .... تأملت كلامه كثيرا ... انه يبيع أيامه مقابل بعض المال ... يحرم نفسه من حق الحياة و كأنه سجين لكن سجن مدفوع الأجر...  و الغريب انه هو السجان و هو القاضي الذي يحكم بتمديد تلك المدة أو يفرج عنه لحسن السير و السلوك ...فكرت كثيرا أن اعمل مثله و اترك تلك البلد التي تقسوا على أبنائها ... لكنى قررت أن أظل في أحضانها لن أبيع أيامي من اجل أن اشتري بعض الأمتار من ذلك الوطن ..أليس غريب أن يقضي شاب مثل خالد ابن عم سالم ...وغيره ...أكثر من عشر سنوات في بلاد غريبة من اجل أن يشتري شقة في بلاده ...قد اكونا كثر حظا منه فقد ترك لي والدي تلك الشقة الصغيرة بحي الزيتون ... لقد عشت هنا طفولتي و سأكمل حياتي هنا ...ليس لي طموحات في أن املك فيلا أو شاليه كل ما ارغب فيه أن أعيش حياتي كما هي بحلوها و مرها ... لقد عشقت تلك الروائح المنبعثة من شباك المطبخ حيث تقوم جارتنا أم صلاح بعمل وجبة العشاء لزوجها و أبنائها ... و كثيرا ما بعثت لي ببعض من ما تصنعه ... أين أجد من يفعل ذلك لم يعد احد يقول الجيران لبعضها ...هي تعطف على كثيرا و تقولي يا أستاذ طارق ما تبقي تنزل تتعشي عندنا عمله ليك شوية بصارة تأكل صوابعك ورآها ... ما أجمل أن تغوص في طبق من البصارة و فحلين من البصل الأخضر و تحبسهم بكوب من الشاي ... فكرت كثيرا في سبب أن أهل البلد يقولون نحبس بالشاي ... و كأنهم يسجنون الطعام في معدتهم أو يغلقون عليه الباب خوفا أن يهرب منهم... انغمست في تلك القضايا التي تصيبني بالاكتئاب كلما قلبت صفحاتها ....مرت لحظات وأنا اغرق بين أوراقي وإذا بعم سالم يقول ... أستاذ طارق هنالك عميلة تريد مقابلتك ... أصلحت كرفتتى اللعينة و جهزت نفسي لمقابلتها ... و إذا بامرأة تتجسد فيها معاني الأنوثة ...عندما وقعت عيني على ذلك الفستان الأسود الجميل الذي يظهر أكثر ما يخفى تلك المفاتن ... شعر اسود  بلون الليل ينسدل على تلك الأكتاف الشبه عارية و تلك العيون التي أخذت من لون العسل الصافي لونها و قوام ممشوق و كأنها منحوتة إغريقية جميله ... وذاك الصدر المتمرد على قيوده يتحدى العيون التي تتمنى أن تسترق النظر ... وكأنه لا يأبه بمن يسترق نظرة إليه ...صحوت من تأملي على صوت رقيق يقول صباح الخير يا أستاذ طارق ...انتصبت قائما لأرد تلك التحية و مددت يدي لأسلم عليها و استقرت أناملها الرقيقة بين يدي لا اعرف كم مضي من الوقت وأنا ممسك بتلك الأنامل حتى هربت من بين أصابعي ...لا أقدر أن اصف تلك النعومة التي كانت بين يدي وكأنها لا تملك عظام تحت ذلك الجلد الرقيق ... و جلست إمامي ثم وضعت ساق على الآخري ...و ياليتها ما فعلت ... حاولت أن أتمالك نفسي فيجب أن لا تشعر بما يدور في راسي ...ولو أنى شعرت أنها أحست بذلك .....فالمرأة تقرأ عيون الرجل و تستشعر تلك الرغبة التي نحاول أن ندفنها في أعماقنا خوفا لأسباب كثيرة تختلف باختلاف ظروف كل منا  و تذكرت مقولة احدي صديقات الدراسة وهى تقول بعرفكم من رائحتكم ...و كأن الرغبة لها رائحة تستشعرها الأنثى ... قطعت السكوت وقالت ... أنا محتاجة مساعدتك في قضية ميراث ...فانا أرملة رجل ميسور الحال و توفي من اشهر قليلة ولا اقدر أن اصف لك ما أعانيه بسبب ذلك الميراث ...و قبل الخوض بالتفاصيل طلبت منها أن توقع أوراق التوكيل و بعض الأوراق الأخرى اللازمة لرفع  الدعوة  كان الحديث سريع و مختصر ولكني أردت أن أطيل في التفاصيل حتى استمتع بوجودها معي ... لكنها قطعت الحديث طلبت أن تمر على في وقت أخر لنكمل الاوراق حيث أنها مرتبطة بموعد .... خرجت من مكتبي و إنا في حالة يرثي لها ... وإذا بعم سالم يحضر لي كوب من الينسون ... ويقول روق دمك يا أستاذ و هو يبتسم ابتسامه لئيمه اعرفها جيد فقد لاحظ ما يحدث ... ووجدته يقول ... يا أستاذ طارق تعرف في السمك ... تعجبت من سؤاله و قلت يعم سالم هو إنا صياد  ما اعرفشي إلا البلطي و القراميط ... ضحك وقال يا أستاذ البحر خيره كتير... لكن قبل ما تفكر تنزل تصطاد لازم تعرف ....قبل ما تطلع في أيدك سمكه تأكلك .....قبل ما تأكلها ...و ضحك و تركني في تعجبي من كلامه .... ثم رجع وقال تعرف        يا أستاذ الناس عاملة زى السمك لكن اللي مثلنا هو ذيل السمكة لا تتحرك إلا به... ولكن أول شيء يرمى هو الذيل .... كلماته معبرة لكنها أيقظتني من الحلم الذي بدئت احلم به . ...أنهيت عملي بالمكتب و ركبت المترو كما هي عادتي ... لكن هذه المرة أخذت أتفحص الوجوه التي حولي و أبحر في نسج قصص لكل منهم و كأني كاتب يرسم بقلمه قصص لحياة كل منهم ... تتشابه الوجوه و تتشابه قصص الناس الطابع المشترك بينهم هو همهم اليومي في تدبير لقمة العيش التي أصبحت من هموم رجل الشارع ... لكن أنا همي هو أن أجد من تشاركني أيامي ... وصل المترو إلي محطة الزيتون ... أسرعت في النزول حتى لا تفوتني محطتي ...وصلت إلي بيتي و أنا على سلالم البيت سمعت المشاجرة المعتادة بين أم صلاح و ابنها ...وقبل أن أصل إلي باب شقتي وجدت صوت ينادي ... أستاذ طارق ... دقيقة لو سمحت .. إذا بها تعطي ابنها صينية مغطاة بمنديل ابيض جميل ... بالهناء و الشفاء يا أستاذ ....أخذت الصينية و وضعتها على طربيزة السفرة و تحررت من قيودي لاستعد للهجوم على فريستي ... طبق البصارة و فحلين من البصل الأخضر...تناولت ما اقدر عليه ...ثم تمددت على تلك الأريكة القديمة التي هي ملجأي ... وأخذت أفكر في تلك المرأة التي قلبت لي موازين مقاييس النساء عندي لكن يبدوا أن البصارة بدئت تؤثر على تركيزي.. فخلدت إلي النوم لعلها تزورني في أحلامي .. استيقظت في صباح يوم جميل متمنيا فيه أن انعم بلقاء جديد مع من أخذت منى عقلي ... لكن لم تأتى و مر يوم و يوم....ولم أجد غير طيفها ...يملأ المكان و بقايا عطرها في يدي ....حتى قررت أن اكلمها على الهاتف الخاص بها ...وما هي غير لحظات ووجدت صوتها يعبر من أذني إلي قلبي ... دار الحديث حول القضية و الأوراق اللازمة و حاولت فتح أكثر من طريق لإطالة الحديث معها ... ولكنها كانت مباشرة و طلبت أن يكون بيننا لقاء لإكمال ذلك الحديث ...و كأنه قرأت ما بين السطور ... عجبت من جرأتها ... ولكني أصبحت في حيرة فطلبها أن يكون اللقاء خارج المكتب له أكثر من وجه قد تكون محتاجة أن تتكلم على طبيعتها بعيد عن جو المكتب  ... أو تكون دعوة صريحة لأفتح الباب الموصد بيننا و لكن عن أي باب أتكلم ... هل من الممكن أن تنظر لي تلك الفاتنة أصابتني الحيرة ولكن الشيء المؤكد أنى سأقابلها غداً ....سهرت ارتب كلماتي و أفكاري من أين أبدء و إلي أين سوف ينجرف بيننا الحديث  استيقظت مع أول خيوط الفجر ... جهزت أوراقي و ذهبت للمكتب وأنا أحصي الساعات الباقية على لقائنا ... وعند السابعة مساء توجهت إلي فيلتها بالمعادي ...وما هي إلا دقائق ووجدت نفسي في البهو الخاص بفيلتها ...كلما خطوت خطوة تأكد لي أنه من المستحيل أن يكون ذلك مكاني ... فرق كبير بين ما أعيش فيه و تلك الحياة التي تعيشها ... و تذكرت رائحة التقليه الخاصة ببصارة أم صلاح ... و ضحكت في نفسي ... فها أنا أتذكر رائحة الفقر و أضيع على نفسي تلك الروائح الجميلة و صادرة من أركان المكان .... أجلستني الخادمة في حجرة الضيوف و التي لا أكون مبالغا أنها تصلح لأن يلعب فيها أولاد شارعنا بالزيتون كرة القدم ... وقدمت لي عصير ... وما هي إلا دقائق و نزلت تلك الفاتنة لتستقبلني بوجه بشوش ... شغلتني ابتسامتها الساحرة عن النظر إلي ذلك الرداء الأبيض الذي يحيط بذلك الجسد المرمري ولو أنى لم اقدر أن أقاوم تلك المفاتن التي تتجسد أمامي و جسد ينادي ذلك المتهور بداخلي ...لكن وجدت الحديث يستمر في اتجاه واحد و مهما حاولت أن أغير مساره أجدها حازمة و كأنها تسير على خط قطار ... لم تفلح محاولاتي ... و لم أجد غير سبيلي إلي الباب مع ابتسامه شكر منها على قدومي لها لمناقشة أبعاد قضيتها ... رجعت إلي بيتي احمل كثيرا من الإحباط الداخلي ...و عاتبت نفسي على تلك الأحلام التي ظللت طوال الليل انسج خيوطها حتى أصبحت بناء كبير... لكنه كان كبناء العنكبوت مع أول نسمة هواء تقطعت خيوطه و اهتزت أركانه ها أنا ارجع الآن أي بيتي ... ولأول مرة اكره تلك الطرقات المؤدية إليه ....حتى رائحة العرق لتلك الأجساد المتراصة في زحام المترو والتى كنت لا اعيرها حاسة الشم... أصبحت تخنقني ... والتي قد تعودت عليها و كأنها جزء من طقوس ركوب المترو ... و حتى تلك الرائحة التي تملأ نواحي  تلك البناية التي اسكن في احد شققها... ما هذا التمرد الذي بدء يطل برأسه .. على حياتي ... عشت طوال حياتي راضيا بما قسم لي في هذه الحياة ... هل ما رأيته من فارق في المستوي المعيشي يجعلني ناقما هكذا ... أيقنت أن ما كنت فيه ليس نوع من القناعة و الرضا كما كنت أوهم نفسي ... ها أنا مع أول اختبار اسقط و انقم على ما أنا فيه ... حاولت النوم لكن دون جدوى ...وها هي دقات الساعة تشير إلي السابعة صباحاً ... أسرعت إلي المكتب و طلبت من عم سالم فنجان قهوة دبل ... احضرها و تفحص وجهي و قال مالك اليوم يا أستاذ موعاجبنى ... أنت شكلك ما نمت ...مالك يا ابني ... لم اقدر أن اخفي عليه ما يدور في خاطري من عدم الرغبة في الاستمرار بالمعيشة بهذه البلد ... واني كرهت كل ما فيها ... تلك الشوارع المزدحمة ... تلك الأكوام من القمامة ... قاطعني عم سالم بحزم شديد ...وقال يا ابني _ لم يقل يا أستاذ كما تعود و كأنه يخاطب ابنه خالد الذي هجره و هجر البلد بكل ما فيها و لم يعد يربطه بها غير اسم الجنسية المسجل بجواز سفره وليس بعيد أن يكون قد غيره _ لا تنسي توجيهات الرسول لنا عندما قال إذا أردت أن لا تزدري نعمه الله عليك فأنظر لمن هو دونك ...لم يقل غير تلك الكلمات و تركني ليكمل عمله ....أدركت وقتها مغذي كلماته ... و رجعت بعد عملي إلي بيتي و إذا بي اطلب طبق البصارة من أم صلاح ........... 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق