في يوم قد لا يختلف عن باقي ايام الاسبوع ...التى
تتشابه في وتيرتها و في تناغمها و ايقاعها ...الممل أحياناً و السريعة أحياناً
....يدخل مكتبه ليجد على مكتبه مغلف صغير به تذكرة
سفر و بعض النقود و حجز بأحد الفنادق بمدينة شرم الشيخ ..مع قصاصة من الورق زهرية
اللون مكتوب عليها عبارة مختصرة ( متع نفسك يومين ) اعتلت على وجهه ابتسامه لا
تخلو من الحيرة ...و ما لبس ان سأل عن هذا
المغلف وعن صاحبه و من احضره ...لكن لم يجد إجابة ...غير أن ساعي المكتب قال
له أن احدهم قد جاء و سأل عنه و وضع ذلك المغلف و خرج مسرعا بدون أن يترك تعليق ....توجه
إلي مدير القسم ليختلق عذراً لكي يتغيب عن العمل لمدة اسبوع ...لكن كانت المفاجأة
أن مديره قابله بابتسامه على غير عادته...و قبل أن يتكلم ....قال له أنت في إجازة
مفتوحة من اليوم ....زادت دهشته و حيرته ماذا يحدث و من يدبر له كل ذلك ....قرر
عدم السفر ...ثم تراجع ...ثم عزم امره على السفر ...و ما فيها أن يمتع نفسه يومين
كما قال صاحب أو صاحبة الرسالة ...و لما امرأة ...لماذا تبادر إلي ذهنه ذلك ...قد
تكون رغبته في أن تتم متعته التى يمنى نفسه بها ...حاول جمع بعض الملابس التى
تناسب تلك الرحلة ...لم يجد في دولابه المكتظ بالملابس ما يناسب تلك المغامرة
...كل ما يملكه مجموعة من البدل التى مر عليها زمن وهي تكدح معه يوميا في زحام
المواصلات و غبار الشوارع ...وبعض الجلابيب البلدي ..بحث عن شيء مناسب لم يجد
....قرر النزول لشراء بعض الملابس ...فهو في حاجة إلي ملابس أكثر شبابية ...فهو
قادم على مغامرة العمر ...و بالفعل بعد جولة امتدت لساعات ..رجع بأكياس من الملابس
الغريبة عليه ...حاول أن يرتدي بعضها و يري نفسه في هيئته الجديدة ...لكن مع أو
نظرة في المرآة ...شاهد فعل السنين على وجهه ...لم يدرك يوما حجم تلك التجاعيد
...لم ينتبه إلي ان الشيب قد امتد من شعر رأسه إلي لحيته و شاربه ....ترك كل ذلك
جانبا و اعد فنجان قهوته و جلس يحتسيه خلف شباك غرفته و هو ينظر إلي الطريق ...و
كأنه يقول لنفسه ( من الغد سأري ما لم اراه من قبل ) ...لم يخرج في رحلة من قبل ..
قضي ما مضي من حياته بين بيته و عمله ...استسلم للنوم ...و مع تباشير الصبح حمل امتعته
و توجه إلي المطار ...تملكته الحيرة فتلك اول مرة يركب فيها الطائرة ...تبددت
حيرته شيء فشيء..لكن الرعب تملكه حين ارتفعت الطائرة بعجلاتها من على ارض المطار
...احس بخوف شديد ...و كأنه يقول في نفسه ( و انا ايه كان غاصبنى على ده ) لكن
سرعان ما تبدد خوفه و قرر أن ينعم بما لم يعشه من قبل ...و ما هي الا لحظات و كان
في مطار شرم ....استقل سيارة الاجرة و توجه الي الفندق ...قدم اوراقه و قاده رجل
إلي غرفة تطل على حمام السباحة ...اول مرة ينزل في فندق ...اول مرة يجد نفسه بقرب
حمام سباحة ....ضحك كثيرا عندما تذكر ايام الطفولة و قفزه من فوق الكوبري لينعم
بغطسه في مياه النيل الباردة ...افرغ حقيبته و توجه الي السرير ...ظل يقفز عليه
كطفل صغير ...ادرك بالفعل أن هنالك فارق بين السرير الذي ظل يلازمه قرابة 40 عام
...و بين ذلك السرير الجديد ....دق جرس الهاتف ليجد على الطرف الأخر موظف
الاستقبال ...يٍسأله هل يحضرون الغذاء له أم يفضل تناول الغذاء بالمطعم ...حيث
البوفيه المفتوح ..و بالفعل ذهب إلي المطعم ...ليجد أن التجربة اصعب من التى قبلها
...لم يعرف من اين يبدأ...المشهيات و السلطات ام اللحوم و الاسماك ام الحلوى و المشروبات
...ظل في حيرته دقائق ...حتى قرر أن يقلد من حوله ...و شيء فشيء تتبع أحدهم و هو
يعد طبقه الأول ...ظل يفعل ما يفعله حتى انتهى من تناول غذائه ...تناول اشياء غريبة
لا يعرف حتى اسمها او مكوناتها ...إحساسه بالغربة يزداد شيء فشيء ...تلك الحياة
ليست له ...مع انها جميلة و لم يراها في حياته سوي في التلفزيون او السينما التى
لم يفكر في دخولها من سنوات طويلة .
جلس في بهو الفندق يحتسي بعض الشاي ...و إذا بأحدهم يقترب منه و يلقي عليه التحية
...لم يمانع من رد التحية ووجد في هذا الشخص طوق النجاة في تلك الغربة ...تبادل
أطراف الحديث في كل شيء ...حتى اصبحت هنالك ألفة غريبة ... ربما بسبب وحدته.
دعاه لقضاء السهرة معه في الملهي الملحق بالفندق ...فوافق على الفور ...لعله يري
ما يراه في الأفلام ...و بالفعل ...لم يستطع أن يمكث كثيرا ..فتلك الموسيقية
الصاخبة و تلك الميوعه و المجون التى تتغلغل في المكان لا تناسبه اطلاقاً ...قرر
الرجوع إلي غرفته ليغلقها عليه لينعم ببعض الهدوء النفسي ...شعر أن كل من حوله
يعرفون و يدركون حقيقته و أنه غريب عن تلك الأجواء.... شعر بالحنين إلي بيته و
غرفته المتواضعة ...و كأنه يقول لنفسه ( ناس غاوية فقر ) لكن الاسبوع لم ينتهي بعد
...قرر أن يستمتع بتلك الايام قدر المستطاع ...و بعد مرور يومين اخذ ينسجم مع
الأجواء الجديدة عليه ...تعلم كيف يتعامل مع الاشياء من حوله و الاشخاص ايضا
...لكن السؤال الذي كان يحيره ..من صاحب تلك الدعوة ...و كيف سيرجع إلي غرفته في
ذلك الحي الشعبي البسيط ...انتهي الاسبوع سريعا و وجد نفسه مضطرا إلي الرجوع ...لكنه
قرر ان ينعم بأخر ليلة له في تلك الرحلة ... نزل إلي بهو الفندق ليأخذ كوب من
الشاي ..و ما هي إلا لحظات ليجد نفس الشخص يقترب منه ...دعاه لمشاركته في احتساء فنجان من القهوة ...وبعد دقائق كانت المفاجأة التى بددت حيرته ...فبلغة واثقة و مباشرة واجهه
جليسه بظرف كبير من النقود اخرجه من حقيبته اليدوية و اوضح له أن الدعوة التى قدمت
له كانت من أحدي الشركات المتقدمة لأحدي المشروعات التى يشرف عليها ....( ادرك انه
قد وقع في شراك الرشوة المباشرة و الواضحة ) ...و لم يعطه فرصة في الرفض فقد اوضح
له أن مديره المباشر شريك في تلك العملية ....حاول الرفض ...لكن كان العرض يتزايد
شيء فشيء ...شقة جديدة و سيارة تليق بمكانته و مبلغ كبير ...قد يقضي سنوات ليجمع
جزء منها ...احس أن الدماء تغلي في عروقه ...تركه و لم يعقب على كلماته ...توجه
إلي غرفته ...جمع ملابسه و توجه سريعا الي مدينته ....ادرك ان برغم ما يعانيه من
ضيق ذات اليد و تلك المعيشة المتواضعة و ما راءه خلال تلك الرحلة لا يساوي إحساسه
بأنه رجل شريف ....و تذكر تلك المقولة ....ان هنالك أشياء لا تشتري ...
