بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

لست وحيدا



انقطع تيار الكهرباء و توقف كل شيء من حوله...و كأن سكته قلبية أصابت كل شيء ... خيم الصمت على ارجاء غرفته ... لم يعد يسمع غير دقات الساعة و صوت انفاسه ...راح يتحسس بحذر شديد... باحثا عن مصدر للضوء ... لعله يبدد ذلك الظلام الذي احاط به من كل جانب  ... فهو يعيش وحيدا بعد ان قرر الرحيل عن كل من يعرفهم ،اشعل سيجارته و بنفس العود اشعل شمعة صغيره ...ثم وضعها بجوار فنجان القهوة الذي لم يكن اكمله ....و اخذ يرتشف ما تبقي منه....
الصمت و السكون الذين خيما على المكان و قطرات القهوة الباقية اكسبته راحة نفسية .... ظل يتابع دقات الساعة الواحدة  تلو الأخرى.... في انتظار عودة تيار الكهرباء.... أو ...عودة الحياه ....و كأن الكهرباء هي النبض الذي تهب الحياه لكل شيء من  حوله ... ادرك وقتها ان سر حياة الاشياء من حوله هي تلك القوي الساحرة ...الكهرباء ...فلما غابت...غابت الحياه كل شيء من حوله التلفاز...الاضاءة .. حتى الانترنت الذي هو وسيلة تواصله مع الحياه الافتراضية التي كانت تملأ حياته صخبا و انشغال ...اخذ يستمع لبعض الاغاني على هاتفه المحمول لعلها تكسر الصمت الذي هاجمه فجأة ...و لكنه أدرك انه لم يبقي غير القليل من الوقت و تنتهي البطارية و ينقطع معها كل سبل الاتصال ... لكن بمن يتصل ...فلقد هجر كل من يعرفهم و لم يعد احد يتذكره و كأنه في عداد موتاهم ...لكن الموتى ... هم افضل حالاً منه ... فأحبائهم يتذكرونه في الأعياد و يترحمون عليه .. خرج من غرفته الصغيرة للاستمتاع بالهواء و التجول ... تحت ضوء القمر ... مع ان الليلة لم تكن منيرة بالقدر الكافي ...لكن بعض الضوء كان كافيا ليعرف طريقه الي حيث يحب ان يجلس بالقرب من تلك الشجرة التي تظلل مدخل البيت الخلفي ....تذكر تلك اللحظات التي قرر فيها ان يكون بعيداً ....لحظة كانت حاسمه في حياته السابقة ...حين ادرك انه كذب كذبة كبيرة و صدقها ...كثيرا منا يكذب و يصدق تلك الكذبة و قد يمضي حياته محاولا اقناع نفسه بها الي ان يصدم بالحقيقة... فلقد أدرك يومها انه غريب عن من كان يظن انه قريب منهم و ادرك زيف المشاعر التي ظلت في مخيلته و كانت هي الدافع له ان يفنى حياته من اجلها ... لذا قرر ان يخرج من كل شيء ..و كانه يغير جلده ليبدأ حياته من جديد .... مر الوقت سريعا و هو يجلس بجوار شجرته المفضلة و التي فقدت اوراقها مع هبوب رياح الخريف ... فلم يتبقي منها سوي بعض الأغصان و فروعها المتجردة من مظاهر الحياه ...أنه الخريف ...خريف العمر الذي أتي بعد الصيف المفعم بالحياة ... لكن حياته لم تكن حياه طبيعية ...استمر فيها الشتاء لفترات طويلة ... و لم يتمتع خلالها بنسمات الربيع و كأن الفصول الاربعة بحياته توقفت عند الشتاء ليصل بعدها خريفه ... حينها ادرك انه لم يعش كما ينبغي له أن يعيش ...فقرر الرحيل ...لبلد لا يعرفه فيها أحد و لا يخالط فيها احد..باحثا فيها عن ذاته و ليستمتع بما بقي من سنين حياته...حياته  التي اهدرها في وهم ... افاق منه على سراب ...حتى من افنى حياته من اجلهم ...اصبح هو عبء نفسي ثقيل عليهم ... ينتظرونه ان يرحل ... فلقد جفت المشاعر كما تجف المياه و لا يبقي منها أثر يدل على وجودها غير بعض الذكريات ...اشعل سيجارته بعود الكبريت الباقي ...ظل ينظر الي ذاك العود و هو يتناهي مشتعلا بين يديه حتى كاد ان يحرق اصابعه ... فتخلص منه سريعا ...ادرك وقتها انه ليس افضل حالا من ذاك العود فقد اشتعل ليضيء لمن حوله حتى اذا اوشك على الانتهاء تخلصوا منه ... تسرب الي مسامعه صوت يشق الصمت المحيط به ...صوت شجي يعلن عن قرب شروق الشمس .. و كانه يقول له لست وحيدا 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق